صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

مقدمة 50

الشواهد الربوبية في المناهج السلوكية ( المقدمة العربية )

البرزخ والخيال المترفعة عن المادة وهي من مراتب الآخرة ، والمرتبة الثالثة هي الوجود العقلي والروحي الصرف والمحض ، وعبّر عنها بجنة العقل . إن الإنسان في مقام الاستكمال بمقدوره أن يبلغ أعلى درجات الملائكة ويشاهد جميع الحقائق في ذلك العالم ، فكيف إذا ما فني في مقام أحدية الوجود وشهد جميع الحقائق في الحضرة الإلهية ورأى في نفسه الملائكة والعقول الطولية والعرضية جزءا من وجوده . إن الإنسان البالغ حدّ الكمال ملتئم من عوالم ثلاثة من جهة مبادئ إدراكاته الثلاثة قوة الإحساس وقوة التخيل وقوة العقل ، وكمال الكمال في الإنسان هي صيرورة الشيء بالفعل فكمال التعقل في الإنسان هو اتصاله بالملأ الأعلى ومشاهدته ذوات الملائكة المقربين وله رتبة الخلافة الإلهية واستحقاق رئاسة الخلق فيكون رسولا من اللّه يوحى إليه ومؤيدا بالمعجزات . وقد برهن ملا صدرا على ذلك ووفّق بينها وبين القواعد الذوقية والكشفية ومسلك أهل الرأي . وشرح حقيقة الإنذار والإخبار بما وقع وما يقع وبيّن وجوه الفرق بين الإيحاء والإلهام وطريقة اتصال النبي بعالم الوحي وعالم القضاء الرباني وقراءة الكتب الإلهية وماله مدخلية في الإدراك وكشف الحقائق ، وعلّة إيجاد المدينة الفاضلة . واستشهد في بيان هذه الأمور بآراء الحكماء مثل شيخ المشائية والمعلم الثاني وذلك بأسلوب جميل ، ومزج بعض هذه المسائل بأفكار أهل العرفان . إن كلمات العرفاء في هذا المبحث أتم وأكمل . إن مأخذ علم الأنبياء من أولي العزم هو الحضرة الأحدية ومشكاة ولاية خاتم النبيين ( صلّى اللّه عليه وسلم ) ، ويمكن أن يتصل ولي من الأولياء أيضا بهذه المرتبة بل من الممكن أن يصبح منشأ وحي وإيحاء . وقد بيّنا هذا المبحث بشكل كامل ومطابق للآيات الشريفة والروايات المتواردة في شرحنا على مقدمة « الفصوص » « 1 » . وقد أشار المصنف العلامة إلى صلب الموضوع وقال : « حتى ينتهي الأمر إلى الأمور الحتمية القضائية والأسماء الإلهية » . لأن منشأ الوحي والتصرف التشريعي والتكويني للولي والنبي هو أسماء الحاكم على مظاهر الأنبياء والأولياء ، وأن جذور وأصول الأسماء الإلهية الحضرة الأحدية السرمدية .

--> ( 1 ) « شرح مقدمة الفصوص » ( 1365 ) ه . ق ، الفصل التاسع ، ص ( 456 - 548 ) .